أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
396
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ولكن لا توجه هذه القراءة الشاذة بأكثر من ذلك . قوله : إِلَّا عَلَى الَّذِينَ متعلق ب « كبيرة » ، وهو استثناء مفرغ ، فإن قيل : لم يتقدم هنا نفي ولا شبهه ، وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ذلك ؛ فالجواب أن الكلام وإن كان موجبا لفظا ، فإنه في معنى النفي إذ المعنى أنها لا تخف ولا تسهل إلا على الذين ، وهذا التأويل بعينه قد ذكروه في قوله : « وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ » « 1 » . وقال الشيخ « 2 » : هو استثناء من مستثنى محذوف تقديره : وإن كانت لكبيرة على الناس إلا على الذين ، وليس استثناء مفرغا ، لأنه لم يتقدمه نفي ، ولا شبهة ، وقد تقدم جواب ذلك . قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ في هذا التركيب وما أشبهه مما ورد في القرآن وغيره نحو : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ و ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ « 3 » قولان : أحدهما : قول البصريين ، وهو أن خبر كان محذوف وهذه اللام تسمى لام الجحود ، ينتصب الفعل بعدها بإضمار « أن » وجوبا ، فينسبك منها ، ومن الفعل مصدر منجر بهذه اللام ، وتتعلق هذه اللام بذلك الخبر المحذوف ، والتقدير : وما كان اللّه مريدا لإضاعة أعمالكم ، وشرط لام الجحود عندهم أن يتقدمها كون منفي ، واشترط بعضهم مع ذلك أن يكون كونا ماضيا ، ويفرق بينهما وبين لام كي ما ذكرنا من اشتراط تقدم كون منفي ، ويدل على مذهب البصريين التصريح بالخبر المحذوف في قوله : 761 - سموت ولم تكن أهلا لتسمو * . . . « 4 » والقول الثاني للكوفيين : وهو أن اللام وما بعدها في محل الخبر ، ولا يقدرون شيئا محذوفا ، ويزعمون أن النصب في الفعل بعدها بنفسها لا بإضمار أن ، وأن اللام للتأكيد ، وقد رد عليهم أبو البقاء فقال : وهو بعيد لأن اللام لام الجر ، و « أن » بعدها مرادة فيصير التقدير على قولهم : وما كان اللّه إضاعة إيمانكم ، وهذا الرد غير لازم لهم ، فإنهم لم يقولوا بإضمار « أن » بعد اللام كما قدمت نقله عنهم ؛ بل يزعمون النصب بها ؛ وأنها زائدة للتأكيد ، ولكن للرد عليهم موضع غير هذا . واعلم أن قولك : « ما كان زيد ليقوم » بلام الجحود أبلغ من : « ما كان زيد يقوم » أما على مذهب البصريين فواضح ، وذلك أن مع لام الجحود نفي الإرادة للقيام والتهيئة ، ودونها نفي للقيام فقط ، ونفي التهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفي الفعل ، إذ لا يلزم من نفي الفعل نفي إرادته ، وأما على مذهب الكوفيين فلأن اللام عندهم للتوكيد والكلام مع التوكيد أبلغ منه بلا توكيد . وقرأ الضحاك : « ليضيع » بالتشديد ، وذلك أن أضاع وضيع بالهمزة أو التضعيف للنقل من « ضاع » القاصر يقال : ضاع الشيء يضيع وأضعته أي : أهملته فلم أحفظه وأما ضاع المسك يضوع أي : فاح فمادة أخرى .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 45 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 425 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 179 ) . ( 4 ) صدر بيت وعجزه : . . . ولكن المضيع قد يصاب انظر التصريح ( 2 / 235 ) ، الجنى الداني ( 119 ) .